التفتازاني

28

كتاب المطول

في الجمل التي تسرد فتعرف موضع الفصل من موضع الوصل وفي الوصل موضع الواو من الفاء والفاء من ثم إلى غير ذلك وتتصرف في التعريف والتنكير والتقديم والتأخير والحذف والتكرار والاظهار والاضمار فتصيب بكل من ذلك مكانه وتستعمله على الصحة وعلى ما ينبغي له . ثم ليس هذه الأمور المذكورة من التعريف والتنكير والتقديم والتأخير راجعة إلى الالفاظ أنفسها ومن حيث هي هي ولكن تعرض لها بسبب المعاني والاغراض التي يصاغ لها الكلام بحسب موقع بعضها من بعض واستعمال بعضها مع بعض فرب تنكير مثلا له مزية في لفظ وهو في لفظ آخر في غاية القبح بل وهذه اللفظة منكرة في بيت آخر قبيحة وإلى هذا أشار المصنف بقوله ( فالبلاغة ) صفة ( راجعة إلى اللفظ ) لكن لا من حيث إنه لفظ وصوت بل ( باعتبار افادته المعنى ) يعنى الغرض المصوغ له الكلام ( بالتركيب ) متعلق بافادته وذلك لما مر من أنها عبارة عن مطابقة الكلام الفصيح لمقتضى الحال وظاهر ان الكلام من حيث إنه ألفاظ مفردة وكلم مجردة من غير اعتبار افادته المعنى عند التركيب لا يتصف بكونه مطابقا له أو غير مطابق ضرورة ان هذا المعنى انما يتحقق عند تحقق المعاني والاغراض التي يصاغ لها الكلام ( وكثيرا ما ) نصب على الظرف لأنه من صفة الأحيان وما لتأكيد معنى الكثرة والعامل ما يليه على ما ذكر في الكشاف في قوله تعالى ( قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ ) * اى في كثير من الأحيان ( يسمى ذلك ) الوصف المذكور ( فصاحة أيضا ) كما يسمى بلاغة وفي هذا إشارة إلى دفع التناقض المتوهم من كلام الشيخ عبد القاهر في دلائل الاعجاز فإنه ذكر في مواضع منه ان الفصاحة صفة راجعة إلى المعنى وإلى ما يدل عليه باللفظ دون اللفظ نفسه وفي بعضها ان فضيلة الكلام للفظه لا لمعناه حتى أن المعاني مطروحة في الطريق يعرفها الأعجمي والعربي والقروي والبدوي ولا شك ان الفصاحة من صفاته الفاضلة فتكون راجعة إلى اللفظ دون المعنى فوجه التوفيق بين الكلامين انه أراد بالفصاحة معنى البلاغة كما صرح به وحيث أثبت انها من صفات الالفاظ أراد انها من صفاتها باعتبار إفادتها المعاني عند التركيب وحيث نفى ذلك أراد انها ليست من صفات الالفاظ المفردة والكلم المجردة من غير اعتبار التركيب وحينئذ لا تناقض لتغاير محلى النفي والاثبات هذا خلاصة كلام المصنف فكأنه لم يتصفح دلائل الاعجاز حق التصفح ليطلع على ما هو مقصود الشيخ